الغزالي

171

إحياء علوم الدين

فإذا شاب حسن تحت المنظرة ، وبيده ركوة ، وعليه مرقعة يستمع ، فقال يا جارية باللَّه وبحياة مولاك ألا أعدت عليّ هذا البيت . فأعادت فكان الشاب يقول هذا والله تلوّنى مع الحق في حالي ، فشهق شهقة ومات ، قال فقلنا قد استقبلنا فرض فوقفنا ، فقال صاحب القصر للجارية أنت حرة لوجه الله تعالى ، قال ثم إن أهل البصرة خرجوا فصلوا عليه فلما فرغوا من دفنه قال صاحب القصر : أشهدكم أن كل شيء لي في سبيل الله ، وكل جواري أحرار ، وهذا القصر للسبيل ، قال ثم رمى بثيابه ، واتزر بإزار ، وارتدى بآخر ، ومر على وجهه والناس ينظرون إليه ، حتى غاب عن أعينهم وهم يبكون فلم يسمع له بعد خبر والمقصود أن هذا الشخص كان مستغرق الوقت بحاله مع الله تعالى ، ومعرفة عجزه عن الثبوت على حسن الأدب في المعاملة ، وتأسفه على تقلب قلبه ، وميله عن سنن الحق ، فلما قرع سمعه ما يوافق حاله سمعه من الله تعالى كأنه يخاطبه ، ويقول له : كل يوم تتلون غير هذا بك أحسن ومن كان سماعه من الله تعالى وعلى الله وفيه ، فينبغي أن يكون قد أحكم قانون العلم في معرفة الله تعالى ، ومعرفة صفاته ، وإلا خطر له من السماع في حق الله تعالى ما يستحيل عليه ويكفر به ، ففي سماع المريد المبتدي خطر ، إلا إذا لم ينزل ما يسمع إلا على حاله من حيث لا يتعلق بوصف الله تعالى ، ومثال الخطأ فيه هذا البيت بعينه ، فلو سمعه في نفسه وهو يخاطب به ربه عز وجل ، فيضيف التلون إلى الله تعالى فيكفر ، وهذا قد يقع عن جهل محض مطلق غير ممزوج بتحقيق ، وقد يكون عن جهل ساقه إليه نوع من التحقيق ، وهو أن يرى تقلب أحوال قلبه ، بل تقلب أحوال سائر العالم من الله وهو حق ، فإنه تارة يبسط قلبه ، وتارة يقبضه ، وتارة ينوره ، وتارة يظلمه ، وتارة يقسيه ، وتارة يلينه ، وتارة يثبته على طاعته ويقويه عليها ، وتارة يسلط الشيطان عليه ليصرفه عن سنن الحق ، وهذا كله من الله ومن يصدر منه أحوال مختلفة في أوقات متقاربة فقد يقال له في العادة إنه ذو بداوات وأنه متلون ، ولعقل الشاعر لم يرد به إلا نسبة محبوبه إلى التلون في قبوله ورده ، وتقريبه وإبعاده ، وهذا هو المعنى فسماع هذا كذلك في حق الله تعالى كفر محض ، بل ينبغي أن